فصل: الأجوبة الزكية عن الألغاز السبكية

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي للفتاوي ***


فجر الثمد في إعراب أكمل الحمد

بسم الله الرحمن الرحيم

مسألة‏:‏

سئل شيخنا العلامة محي الدين الكافيجي في سنة أربع وسبعين وثمانمائة عن قول القائل الحمد لله أكمل الحمد هل أكمل متعين النصب أو يجوز الجر فإن ثم من قال بجوازه فوافقه الشيخ على جوازه بل وزاد ترجيحه وألف في المسألة مؤلفا قال فيه ما ملخصه‏:‏ أنه وصف سببي لله محول أصله أكمل حمده فحول بالإضافة وأنه نظير قولك مررت بالرجل قائم الأب فإن أصله قبل التحويل مررت برجل قائم أبوه فحول إلى ما ترى فاستتر الضمير في اسم الفاعل وأضيف إلى الأب وقولك مررت بالرجل حسن الوجه فإن أصله مررت برجل حسن وجهه وعلل ترجيحه بأنه لا يحتاج إلى إضمار والنصب يحتاج إلى إضمار هذا حاصل ما ذكره الشيخ‏.‏ وأقول المتعين في هذا التركيب النصب ولا يجوز الجر ووجهه أنه نائب مناب المصدر المحذوف الذي هو في الأصل وصف له تقديره حمدا أكمل الحمد، قال النحاة في باب المفعول المطلق ومنهم ابن مالك في شرح الكافية وابن هشام في التوضيح يقوم مقام المصدر وصفه مضافا إليه كسرت أحسن السير ومثل غيرهما بقولك ضربته أشد الضرب ومثله في شرح التسهيل بقول ليلى الأخيلية‏:‏

نظرت ودوني من عماية منكب * وبطن رداء أي نظرة ناظر

وبقول الآخر *وضائع أي جرى ما أردت به * ونظيره قوله تعالى ‏(‏فلا تميلوا كل الميل‏)‏ فهذه الأمثلة كلها منصوبة على النيابة عن المصدر والمثال مثلها‏.‏ وعلم من ذلك دفع محذورين واردين أحدهما الإضمار الذي فرّ منه الشيخ فإنه إذا كان على وجه النيابة لا إضمار بل يكون المصدر محذوفا وهذا قائم مقامه نيابة عنه والثاني إنه قد يقال إن المصدر المقدر نكرة فكيف يوصف بالمعرف بالإضافة وقد علم أنه لا تقدير ولا إضمار وإنما حذف أصلا وأقيم مقامه وصفه مضافا إليه للبيان وكان أصله الحمد لله حمدا كمل بلا إضافة هذا توجيه النصب، وأما امتناع الجر فيكاد يكون بديهيا لا يقام عليه دليل فإن أكمل صفة للحمد قطعا لا لله‏.‏ أما أولا فلأن أوصافه تعالى توقيفية ولم يرد هذا الوصف فيها وأما ثانيا فلأن الأصل عدم إطلاق أفعل التفضيل في حق الله إلا ما ورد مثل أكبر وأحسن الخالقين لما يشعر بالمشاركة‏.‏ وأما ثالثا فلأن المقصود وصف الحمد المثبت لله بالأكملية والبلوغ نهاية التمام لا وصف الله بذلك‏.‏ وأما رابعا فلأن العلماء عبروا بما يدل على أنه وصف للحمد لا لله ألا ترى إلى قول النووي في المنهاج أحمده أبلغ حمد وأكمله وأزكاه وأشمله فأتى بالجميع صفات للحمد ومصادر له‏.‏ وقول الشيخ أنه نظير قولك مررت بالرجل قائم الأب مخالف لقواعد العربية من أربعة أوجه‏.‏ الأول‏:‏ أن هذا التركيب فاسد لا يقول أحد بصحته لأن الرجل معرفة وقائم الأب نكرة فإن إضافته لفظية لا تفيد التعريف فلا يصح وصف الرجل به وإنما توصف به النكرة كقوله تعالى ‏(‏هديا بالغ الكعبة‏)‏ وإنما يستقيم أن يقال مثلا برجل قائم الأب وحينئذ تستحيل المسألة وكذا مررت بالرجل حسن الوجه‏.‏ الثاني‏:‏ ما قاله من التحويل والإضافة إلى المرفوع لا يجوز في اسم الفاعل إجماعا بل هو من خواص الصفة المشبهة وألحق بها في ذلك اسم المفعول نص عليه ابن مالك في كتبه وقال في الألفية وقد يضاف ذا ‏(‏أي اسم المفعول‏)‏ إلى اسم مرتفع معنى كمحمود المقاصد الورع، وقال في شرح الكافية انفرد اسم المفعول بجواز إضافته إلى ما هو مرفوع معنى نحو زيد يكسو العبد ومحمود المقاصد، وقال أبو حيان في شرح التسهيل انفرد اسم المفعول بجواز إضافته إلى مرفوع بخلاف اسم الفاعل فإنه لا يجوز إضافته إلى فاعله لا تقول في مررت برجل ضارب أبوه زيدا برجل ضارب أبيه زيدا‏.‏ قال الصحيح أنها أيضا في اسم المفعول إضافة من منصوب لا من مرفوع الثالث‏:‏ أن قوله أصله أكمل حمده يؤدي إلى استعمال أكمل مقطوعا عن الإضافة ومن وهو أمر لا يعرف في أفعل التفضيل‏.‏ الرابع‏:‏ أن قوله أن الأصل أكمل حمده وأن الحمد فاعل وأنه حول عن الفاعلية ثم أضيف إليه فاستتر الضمير غفلة عظيمة عن قواعد العربية فإن أفعل التفضيل لا يرفع الظاهر أصلا إلا في مسألة الكحل وهذا المثال ليس من ضابطها بالإجماع فبطل هذا القول بلا نزاع والله أعلم‏.‏

ألوية النصر في خصيصى بالقصر

بسم الله الرحمن الرحيم

مسألة‏:‏

قرأ قارئ عليّ في ختم كتاب الشفا بالخانقاه الشيخونية قوله ويخصنا بخصيصى زمرة نبينا وجماعته فقرأها بخصيصي بالياء الساكنة آخرها على أن الكلمة مثناة مضافة لما بعدها فرددت عليه وقلت عليه وقلت له بخصيصى أعني بألف القصر، وذلك بحضرة شيخنا الإمام العلامة محي الدين الكافيجي فقال الشيخ نعم بخصيصى يعني بالألف فقال القارئ المذكور فيها الوجهان فقلت ليس فيها إلا وجه واحد فذهب فكتب صورة سؤال وأخذ عليه خطوط جماعة بتصويب ما قاله وهم الشيخ أمين الدين الأقصرائي والشيخ زين الدين قاسم الحنفي والشيخ سراج الدين العبادي والحافظ فخر الدين الديمي والمحدث المؤرخ شمس الدين السخاوي فجمعت نقول أئمة العربية واللغة وأرسلتها إلى الجماعة المذكورين ما عدا السخاوي فعرفوا الصواب في ذلك ورجعوا عما كتبوه أولا وكتبوا ثانيا بتصويب ما قلته أنها بالألف المقصورة فذهب القارئ إلى السخاوي يستنجد به فكتب له على سؤال آخر كتابة طويلة عريضة مضمونها أنه لا يرجع كما رجع هؤلاء وأن مستنده في ذلك أن عنده نسخة من الشفا صحيحة قرأت على شيوخ عدة وفيها صورة السكون مرقومة بالقلم على الياء فقلت كفى بهذا الكلام جهلا ومن هذا مبلغ علمه فهو غني عن الرد عليه، أطبقت أئمة اللغة والعربية على أن خصيصى بألف القصر وقد تمد شذوذا فيقال خصيصاء مصدر بمعنى الخصوصية ويقال خصه بالشيء خصوصا وخصوصية وخصيصى وخصيصاء في لغة وخاصة نص على ذلك سيبويه في كتابه والسيرافي شرحه‏.‏ والقالي في كتابه المقصور والممدود‏.‏ والفارابي في ديوان الأدب وابن فارس في المجمل‏.‏ ونشوان الحميري في شمس العلوم وابن دريد في الجمهرة والجوهري في الصحاح‏.‏ وابن سيده في المحكم‏.‏ والخفاف في شرح الجمل‏.‏ وأبو البقاء العكبري في اللباب‏.‏ والزمشخري في كتاب المصادر‏.‏ والعبسي في الخلاصة‏.‏والصغاني في العباب‏.‏ وابن عصفور في الممتع‏.‏ والأزدي في الدرر‏.‏ وابن مالك في منظومته وشرحها‏.‏ وابنه في شرح الألفية وفي شرح لامية الأفعال‏.‏ وأبو حيان في شرح التسهيل‏.‏ وابن هشام في التوضيح‏.‏ وابن جابر في منظومته‏.‏ والفيروزباذي في القاموس والخلائق‏.‏ ومن نظائرها الحثيثي والخطيبي والدليلي والزليلي والمكيثي في ألفاظ عدة ولم يرد خصيص البتة حتى يقال في تثنيته خصيصان‏.‏ وقد عقد ابن دريد في الجمهرة باباَ لفعيل وفعيلى فذكر ما جاء منهما ثم قال بعد ذلك ليس لمولد أن يبنى فعيلا إلا ما بنت العرب وتكلمت به ولو أجيز ذلك لقلب أكثر الكلام فلا تلتفت إلى ما جاء على فعيل مما لا تسمعه إلا أن يجئ به شعر فصيح‏.‏

الزند الوري في الجواب عن السؤال السكندري

مسألة‏:‏

ورد من الإسكندرية سؤال صورته‏:‏ روي في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار‏"‏ قال الشيخ محي الدين النووي في شرحه لصحيح مسلم‏:‏ قوله صلى الله عليه وسلم لا يسمع بي أحد من هذه الأمة أي ممن هو وجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم ممن يجب عليه الدخول في طاعته وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيها على من سواهما فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى‏.‏ قلت‏:‏ وقد أشكل هذا الحديث على بعض الناس من جهة تنزيل المقصود منه على القواعد النحوية فإن المقصود من الحديث أنه من سمع بنبينا عليه الصلاة السلام ممن شملته بعثته العامة ثم مات غير مؤمن بما أرسل به كان من أصحاب النار‏.‏ وفي تنزيل لفظ الحديث على هذا المقصود قلق كما سيأتي‏.‏ وهذا الأشكال يعرض كثيراَ في غير لفظ الحديث أيضا كقولك ما جاءني زيد إلا أكرمته وما أحسنت إلى لئيم إلا أساء إليّ وما أنعمت على عمر إلا شكر، وأمثال ذلك كثيرة في الكتاب والسنة وكلام العرب، والغرض في الجميع أن يكون الواقع بعد إلا مرتبا مضمونه على مضمون ما بعد حرف النفي أي مهما جاءني زيد أكرمته ومهما أحسنت إلى اللئيم أساء إلي ومهما أنعمت على عمرو شكر وهكذا في سائر الأمثلة التي بهذه المثابة، وتطبيق اللفظ على هذا الغرض غير متأت بحسب الظاهر فإن غاية ما يتخيل في هذا الاستثناء أن يكون مفرغا باعتبار الأحوال فتكون الجملة الواقعة بعد إلا في محل نصب على أنها حال من الفاعل أو من المفعول المتقدم ذكره أي ما جاءني زيد إلا في حال كوني مكرما له وما أحسنت إلى لئيم إلا في حال كونه مسيئا إليّ وما أنعمت على عمرو إلا في حال كونه شاكرا للنعمة‏.‏وهذا مشكل فإن الحال مقيدة لعاملها ومقارنة له وليس الإكرام مقيدا بمجيء زيد بحسب المقصود ولا مقارنا له في الزمن وكذا بقية الأمثلة‏.‏ فإن قلت أجعل الحال مقدرة كما في قولهم مررت برجل معه صقر صائدا به غدا أي مريدا الصيد به فكذا في الأمثلة أي ما جاءني زيد إلا في حال كوني مريدا لإكرامه وما أحسنت إلى لئيم إلا في حال كونه مريدا الإساءة إليّ وما أنعمت على عمر إلا في حال كونه مريدا الشكر وعلى هذا تأتي المقارنة والتقييد ولا إشكال‏.‏ قلت‏:‏ هذا وأن كان في نفسه معنى ممكن الاستقامة فهو غير مفيد للغرض المصوغ لهذا الكلام إذ المقصود كما سبق وقوع مضمون ما بعد حرف الاستثناء مرتبا على مضمون ما بعد حرف النفي ولا يلزم من إنعامك على عمرو في حال إرادته للشكر أن يكون الشكر وقع بالفعل مرتبا على الأنعام عليه لجواز تخلف متعلق الإرادة الحادثة عنها‏.‏ وكذا الكلام في بقية الأمثلة فقد ظهر امتناع جعل ما بعد إلا حالا لا من قبيل الحال المحققة ولا من قبيل الحال المقدرة ولا مساغ لغير الحال فيه فيما يظهر ببادئ الرأي فتقرر الأشكال‏.‏ فإن قلت لم لا تجعل التفريع باعتبار ظرف الزمان أي ما جاءني زيد في حين من الأحيان إلا في حين أكرمته فحذف الحين كما في قولهم جئتك صلاة العصر أي حين صلاة العصر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه‏.‏ قلت‏:‏ يمتنع ذلك لفظا ومعنى أما لفظا فلأن الظرف في مسألتنا على زعمك مضاف إلى الجملة ولا يحذف مضاف إلى الجملة وتقوم الجملة مقامه وإنما ذلك إذا كان المضاف إليه مفردا كما في جئتك في صلاة العصر، وما أجازه أبو حيان في قوله تعالى ‏(‏واتقوا يوما لا تجزى نفس‏)‏ من أن الأصل يوما يوم لا تجزى نفس فأبدل يوم الثاني من الأول ثم حذف المضاف مردود‏.‏ قال ابن هشام لا نعلم هذا واقعا في الكلام ثم أن أدعي على أن الجملة باقية على محلها من الجر فشاذ أوانها أنيبت عن المضاف فلا تكون الجملة مفعولا في مثل هذا الموضع‏.‏ وأما معنى فيظهر مما أبطلنا به وجهي الحال المحققة والمقدرة إذ ليس المراد أن زيدا لم يجئ إلا في حال إكرامك له أو حال إرادتك لإكرامه وإنما حينئذ المقصود ما أسلفناه والكلام في تنزيل اللفظ عليه فالأشكال بحالة‏.‏ وفي الحديث أشكال من جهة أخرى وهو أنه يقدم الاستثناء الواقع فيه جمل فإن أعدته إلى الجميع وبنينا على أن العامل في المستثنى هو من قبل إلا من فعل أو معناه بواسطة إلا كما يراه البصريون لزم اجتماع عوامل على معمول واحد وهو باطل على ما تقرر في علم النحو وإن أعدته إلى الجملة الأولى فقط لزم الخلف في الخبر وذلك أن تقدير حينئذ لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني إلا كان من أصحاب النار وكم من يهودي ونصراني يسمع به بعد البعثة ولا يكون من أصحاب النار بأن يسلم ويموت على الإسلام وإن جعلته راجعا إلى ما بعد الجملة الأولى فقط على ما فيه صارت الجملة الأولى لا تعرض فيها إلى الاستثناء فيلزم الخلف أيضا إذ كثير من اليهود والنصارى يسمع به بعد البعثة - هذا آخر السؤال‏.‏

الجواب‏:‏

قال ابن مالك في التسهيل في تقرير القاعدة التي من أفرادها هذا الحديث ويليها أي إلا في النفي فعل مضارع بلا شرط وماض مسبوق بفعل أو مقرون بقد‏.‏ وقال في شرحه مثال المضارع ما كان زيد إلا يفعل كذا وما خرج زيد إلا يجر ثوبه وما زيد إلا يفعل كذا ومثال الماضي مسبوقا بفعل قوله تعالى ‏(‏ما يأتيهم من رسول إلا كانوا‏)‏ ومقرونا بقد قول الشاعر‏:‏

ما المجد إلا قد تبين أنه * تبدي وحلم لا يزال مؤثلا

قال‏:‏ وإنما أعني اقتران الماضي بقد عن تقدم فعل لأن قد تقربه من الحال فيكون بذلك شبيها بالمضارع وإنما كان المضارع مستغنيا عن شرط لأنه شبيه بالاسم وإنما ساغ بتقديم الفعل مقرونا بالنفي لجعل الكلام بمعنى كلما كان كذا فكان فيه فعلان كما كان مع كلما فلو قلت ما زيد إلا قائم لم يجز لأنه ليس مما ذكر وعلة ذلك أن المستثنى لا يكون إلا اسما أو مؤولا باسم والماضي المجرد من قد بعيد من شبه الاسم وأما قولهم أنشدك بالله ألا فعلت فإنه في معنى النفي كقولهم شرا هر ذا ناب أي ما أسألك إلا فعلك انتهى‏.‏ قال أبو البقاء في قوله تعالى ‏(‏ما يأتيهم من رسول إلا كانوا‏)‏ إن الجملة حال من ضمير المفعول في يأتيهم وهي حال مقدرة ويجوز أن تكون صفة لرسول على اللفظ أو الموضع انتهى‏.‏ فعلم من ذلك تخريج الحديث على الوجهين والأرجح الحالية لأمرين‏:‏ أحدهما أن وقوع ما بعد إلا وصفا لما قبلها رأي ضعيف في العربية بل قال ابن مالك أنه لا يعرف لبصري ولا لكوفي وأن الزمخشري تفرد بذلك وأن ما اوهم خلاف ذلك فمؤول على الحال‏.‏ وكأن أبا البقاء تابع في ذلك الزمخشري‏.‏ الثاني أن الحالية تطرد في جميع الأمثلة والوصفية لا تطرد بل تختص بما إذا كان الاسم السابق نكرة كالحديث أما نحو ما جاءني زيد إلا أكرمته فلا يمكن فيه الوصفية كما لا يخفى فعلم بذلك ترجيح الحالية وكأنها مقدرة كما صرح به أبو البقاء، وما أورد على ذلك من عدم الملازمة وجواز تخلف متعلق الإرادة الحادثة عنها فهو وإن كان كلاما صحيحا في نفسه إلا أنه لا يقدح في التخريج ولو روعي هذا المعنى لم يكن يصح لنا حال مقدرة وكم من قاعدة نحوية قدرت ولم يبال بمخالفتها للقواعد العقلية فإن من النحو والفقه معقول من منقول كما ذكر ذلك ابن جني فتارة يلاحظ فيها الأمر العقلي وتارة يلاحظ الأمر النقلي على أن ما ذكر من الترتيب وما أورد عليه من عدم الملازمة إنما يتجه لو كان الترتيب المذكور عقليا لا يتخلف وليس الأمر كذلك فإن الترتيب الذي في الحديث شرعي لا عقلي والذي في الأمثلة أيضا ليس بعقلي بل عادي خاص أي بحسب عادة المتكلم أو من تعلق به فعله ومثل ذلك يكتفى به في الحال المقدرة‏.‏ وأمر آخر‏:‏ وهو أن ما ذكر في وجه الترتيب تفسير معنى وما ذكر في تقرير الحال تفسير إعراب وهم يفرقون بين تفسير المعنى وتفسير الإعراب ولا يلتزمون توافقهما كما وقع ذلك كثيرا لسيبويه و الزمخشري وغيرهما‏.‏ وأما الإشكال الثاني ففي غاية السقوط لأن الجمل السابقة ليست مستقلة بل جملة ثم يموت ولا يؤمن مرتبطة بالجملة الأولى على أنها قيد فيها وثم هنا واقعة موقع الفاء فإنها لمجرد الربط لا للتراخي كما في قوله *جرى في الأنابيب ثم اضطرب* وفي بعض طرق الحديث لا يسمع بي من يهودي ولا نصراني فلم يؤمن بي إلا كان من أصحاب النار‏.‏ فعلم أن جملة يؤمن مرتبطة بالأولى وفاء الربط تصير الجملتين في حكم جملة واحدة كما قرره النحاة في باب العطف في مسالة الذي يطير فيغضب زيد الذباب فقوله إن أعدته إلى الجملة الأولى لزم الخلف إلى آخره مدفوع بأنه إذا أعيد إليها مقيدة بمضمون ما بعدها لا يلزم ما ذكر والله تعالى أعلم‏.‏

رفع السنه في نصب الزنه

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي لا تأخذه سنة ولا يقدر لعرشه زنة‏.‏ والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي نزل عليه أفصح الحديث وأحسنه‏.‏ وبعد فقد سئلت عن وجه النصب في قوله صلى الله عليه وسلم سبحان الله وبحمده زنة عرشه ورضا نفسه وعدد خلقه ومداد كلماته والجواب عندي أن هذه الكلمات الأربع منصوبات على تقدير الظرف والتقدير قدر زنة عرشه وكذا البواقي فلما حذف الظرف قام المضاف إليه مقامه في إعرابه فهذا الإعراب هو المتجه المطرد السالم من الانتقاض، وقد ذكر السائل أنه هل يصح أن يكون منصوبا على المصدر أو على الحال أو على حذف الخافض‏.‏ وأقول‏:‏ أما النصب على المصدر فقد ذكره المظهري في شرح المصابيح قال عدد خلقه منصوب على المصدر أي أعد تسبيحه وتحميده بعد خلقه وبمقدار ما ترضاه خالصا وبثقل عرشه ومقداره وبمقدار كلماته، وسبقه إلى ذلك الأشرقي في شرحه قال عدد خلقه وكذلك ما بعده منصوب على المصدر أي سبحته تسبيحا يساوي خلقه عند التعداد وزنة عرشه ومداد كلماته في المقدار يوجب رضا نفسه انتهى‏.‏ فإن أراد بذلك أن نفسه مصدر وأنه منصوب على أنه مفعول مطلق فلا يخفى ما فيه فإنه لا يكون مصدرا للتسبيح كما هو واضح بل يكون مصدرا لفعل من الزنة ويكون التقدير سبحان الله أزنة زنة عرشه ولا يخفى فساد هذا التقدير لأنه ليس المراد إنشاء وزن التسبيح بل المراد إنشاء قول التسبيح والمعنى أقول سبحان الله قولا كثيرا مقدار زنة عرشه في الكثرة والعظم وعلى تقدير فعل الزنة يكون المعنى أزن التسبيح زنة عرشه وهو ظاهر الفساد، ثم إذا قدر في الأخرى أعده عدد خلقه كما أفصح به المظهري أدى إلى أن المعنى إنشاء عد التسبيح وليس مرادا بل المراد أقوله قولاَ عدد خلقه ثم لا يمكنه ذلك في رضا نفسه فإن قيل يقدر أرضيه رضا نفسه قلنا حينئذ يعود الضمير على غير التسبيح وهي في أزنه وأعده عائد على التسبيح فيختل التناسق في الكلمات ثم لا يمكن ذلك في مداد كلماته بلا مرية ويبقى على المظهري تعقبان‏:‏ أحدهما أن عددا لو كان مصدرا لم يجئ بالفك لأن مصدر عد على فعل بسكون العين فيجب أن يدغم فيقال عد بالتشديد كرد ومد وشد قال تعالى ‏(‏إنما نعد لهم عدا‏)‏ والثاني أنه قال منصوب على المصدر ثم قال أي أعد تسبيحه بعدد خلقه فأدخل عليه الباء وليس هذا شأن المصدر الذي هو مفعول مطلق لا يقال ضربت زيدا يضرب في موضع ضربته ضربا، ثم قال وبمقدار ما يرضاه وبثقل عرشه ومقداره وبمقدار كلماته وهذا كله يبطل القول بأنه منصوب على المصدر ويؤول إلى نزع الخافض أو الظرفية فإن النصب على الظرفية ونزع الخافض متقاربان فإن الظرف منصوب على إسقاط الخافض الذي هو في غير أنه باب مطرد والنصب بنزع الخافض في غير الظرف غير مطرد فاتجه بذلك أنه منصوب على الظرف بتقدير قدر وقد صرح بذلك الخطابي في معالم السنن، قوله ومداد كلماته أي قدر ما يوازنها في العدد والكثرة‏.‏ وقال ابن الأثير في النهاية ومداد كلماته أي مثل عددها وقيل قدر ما يوازنها في الكثرة عيار كيل أو وزن أو ما أشبهه وهذا تمثيل يراد به التقريب انتهى‏.‏ فأشار بقوله مثل إلى المصدر أو الوصف وبقوله وقيل قدر إلى الظرف‏.‏ وقال الشيخ أكمل الدين في شرح المشارق قوله عدد خلقه أي عددا كعدد خلقه وزنة عرشه أي بمقدار وزنه ورضا نفسه أي غير منقطع فأشار إلى أن لكل واحدة إعرابا على حدة الأولى مصدر والثانية ظرف والثالثة حال ولا شك أن تساوي الكل في الإعراب حيث أمكن أولى وتقدير قدر في كل منهما صحيح فاتجه نصب الكل على الظرف بتقدير قدر فإن قيل لم يصرح أحد بأن قدر انتصب على الظرف قلت ذلك لعدم اطلاعك في أمهات الكتب ‏.‏وقد صرح الخطيب التبريزي والمرزوقي كلاهما في شرح الحماسة وقول الشاعر ‏:‏

فسايرته مقدار ميل وليتني، وفي قوله‏:‏

هل الوجد إلا أن قلبي لو دنا * من الجمر قيد الرمح لاحترق الجمر

بأن نصب مقدار وقيد كلاهما على الظرف وقيد بمعنى قدر‏.‏ قال ابن شمعون في شرح الإيضاح في قول الفرزدق‏:‏

ما زال مذ عقدت يداه أزاره * فسما فادرك خمسة الأشبار

يجوز نصب خمسة الأشبار نصب الظرف بسما بتقدير مضاف أي سما مقدار خمسة الأشبار‏.‏ وقال جماعة في حديث أن موسى سأل ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر إن رمية نصب على الظرف بتقدير قد رأى قدر رمية بحجر‏.‏ وقال الطيبي في شرح المشكاة في حديث فضل الصلاة التي يستاك لها على الصلاة التي لا يستاك لها سبعين ضعفا قوله سبعين مفعول مطلق أو ظرف أي تفضل مقدار سبعين‏.‏ وقال أبو البقاء في حديث من فارق الجماعة شبرا هو منصوب على الظرف والتقدير قدر شبر‏.‏ وقال الطيبي في حديث من تقرب إليّ شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب إليّ ذراعا تقربت منه باعا شبرا وذراعا وباعا في الشرط والجزاء منصوبان على الظرفية أي من تقرب إليّ مقدار شبر وقال أيضا في حديث من ظلم شبرا من أرض المفعول به محذوف وشبرا يجوز أن يكون مفعولا أي ظلم شبرا ومفعولا فيه مقدار شبر‏.‏ وقال أيضا في حديث أنه صلى الله عليه وسلم أقطع الزبير حضر فرسه نصب حضر على حذف المضاف أي قدر ما يعدو عدوة واحدة ثم إن المسألة منصوصة في كتب النحو‏:‏ قال ابن مالك في التسهيل الصالح للظرفية القياسية ما دل على مقدار، وقال في الألفية‏:‏

وقد تنوب عن مكان مصدر * وذاك في ظرف الزمان يكثر

وقال ابن هشام في التوضيح ينوب المصدر عن الظرف إذا كان معينا لمقدار نحو انتظرتك حلب ناقة‏.‏ وقال أبو حيان في شرح التسهيل قال الصفار في شرح الكتاب أعلم أن المصدر إذا استعمل في معنى الظرف جاز أن يضاف إلى الفعل تقول أتيتك ريث قام زيد أي قدر بطء قيامه فلما خرجت إلى الظرف جاز فيها ما جاز في الظرف ثم إن نصب زنة بخصوصها على الظرفية منصوص عليه من سيبويه وأئمة النحو‏.‏ قال ابن مالك في شرح التسهيل من الجاري مجرى ظرف الزمان باطراد مصادر قامت مقام مضاف إليها تقديرا نحو قولهم هو قرب الدار ووزن الجبل وزنته‏.‏ والمراد بالاطراد أن لا تختص ظرفيته بعامل ما كاختصاص ظرفيته المشتق من اسم الواقع فيه انتهى‏.‏ وقال أبو حيان في شرح التسهيل وذكر سيبويه من المنتصب ظرفا صددك وصفيك ووزن الجبل وزنة الجبل وأقطار البلاد وهذه كلها ينصبها الفعل اللازم لإبهامها انتهى‏.‏ وقال في الارتشاف فرق سيبويه بين وزن الجبل وزنة الجبل فمعنى وزن الجبل ناحية توازنه أي تقابله قريبة كانت منه أو بعيدة وزنة الجبل حذاءه أي متصلة به وكلاهما مبهم يصل إليهما الفعل وينتصب ظرفا انتهى‏.‏ وقد قال التوربشتى شارح المصابيح في هذا الحديث زنة عرشه ما يوازنه في القدر يقال هو زنة الجبل أي حذاه في الثقل والوزانة انتهى‏.‏ وهذا منه إيماء إلى تخريج الحديث على الظرفية وقد خرجوا على الظرفية ما هو أبلغ من ذلك، روي أن معاوية استعمل ابن أخيه عمرو بن عتبة بن أبي سفيان على صدقات كلب فاعتدى عليهم فقال ابن العداء الكلبي‏:‏

سعى عقالا فلم يترك لنا سندا * فكيف لو قد سعى عمرو عقالين

قال ابن الأثير في النهاية نصب عقالا على الظرف أراد مدة عقال والعقال صدقة عام‏.‏ وقال ابن يعيش في شرح المفصل من المنصوب على الظرف قولهم سير عليه ترويحتين وانتظر به نحو جزورين والمراد مدة ذلك والترويحتين تثنية الترويحة واحدة التراويح في الصلاة‏.‏ وقال أبو البقاء في قوله صلى الله عليه وسلم ليصل أحدكم نشاطه أنه منصوب على تقدير الظرف أي مدة نشاطه فحذفه وأقام المصدر مقامه‏.‏ وقال الأشرقي في شرح المصابيح يجوز أن يكون نشاطه بمعنى الوقت وأن يراد به الصلاة التي نشط لها‏.‏ فإن قلت فما تقول في نصبه على الصفة للمصدر‏.‏ قلت هذا ذكره طائفة‏.‏ وأقول لا يخلو إما أن يجعل صفة للمصدر المذكور وهو سبحان أو لمقدر‏.‏ فأما الأول فيعكر عليه الفصل بينه وبين موصوفه بقوله وبحمده وذلك ضعيف أو ممنوع مع أن عندي في جواز وصف سبحان وقفة فإنه غير متصرف ولم يستعمل إلا علما للتسبيح منصوبا ولم يتصرف فيه بشيء‏.‏ وأما الثاني وهو أن يجعل التقدير سبحان الله تسبيحا زنة عرشه ففيه وقفة من وجوه‏.‏ الأول أنه تقدير ما لا حاجة إليه لأن المصدر يصرح به في اللفظ فأي حاجة إلى تقدير مصدر آخر‏.‏ الثاني‏:‏ أن المصدر المذكور منصوب بفعل مقدر فإذا قدر مصدر آخر لزم منه تقدير ثلاثة فعل المصدر الظاهر والمصدر المقدر وفعل آخر له لأن الفعل الواحد لا ينصب مصدرين ولا ضرورة تدعو إلى ذلك‏.‏ الثالث‏:‏ أن الكلام لا يصح إلا بتقدير آخر لأن التسبيح ليس نفس الزنة فيكون التقدير مثل زنة عرشه وإذا آل الأمر إلى تقدير فالمراد المثلية في المقدار فرجع إلى ما قلناه من الظرفية خصوصا أن قوله رضا نفسه لا يصح فيه تقدير المثالية‏.‏ ولهذا قال الأشرقي يساوي خلقه عند التعداد وزنة عرشه في المقدار ويوجب رضا نفسه فأخرجه عن حيز المساواة وتقدير قدر صحيح فيه أي قدرا يبلغ رضا نفسه‏.‏ فإن قلت بقي وجه أبطال الحال‏.‏ قلت إذا قدر أسبح أو أقول سبحان الله موازنا لعرشه فإن جعل حالا من الفاعل نافره أن المفعول هنا مطلق والمعهود مجيء الحال من المفعول به ولا يمكن كونه من المضاف إليه كما لا يخفى ولا يطرد التقدير بالمشتق في مداد كلماته كما هو ظاهر فبطل الحال‏.‏ وبقي من الوجوه الممكنة في إعرابه أربعة‏:‏ أحدها أن يجعل مفعولا به لفعل أو وصف مقدر أي يبلغ زنة عرشه أو بالغا زنة عرشه‏.‏ الثاني‏:‏ أن يكون القول مقدارا وسبحان الله مفعول أول وزنة عرشه مفعول ثان على لغة من يجري القول مجرى ظن بلا شرط‏.‏ الثالث‏:‏ أن يكون خبرا لكان مقدرة هي واسمها ضميرا راجعا إلى التسبيح وتقدر إما بصيغة المضارع أو اسم الفاعل‏.‏ الرابع‏:‏ وهو خاص برضا نفسه أن يجعل مفعولا له على جعل الرضا بمعنى الإرضاء كقولك سبحت ابتغاء وجه الله وكلها لا يعول عليها والعمدة على الأول والله أعلم آخره والحمد لله‏.‏

مسألة‏:‏

وقع السؤال عن حديث من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريض أو امرأة أو مسافر أو صبي أو مملوك‏.‏ رواه الدارقطني من حديث جابر بن عبد الله فإن هذا الاستثناء من كلام تام موجب فيكون ما بعد إلا واجب النصب فما وجه رفعه وخاض الناس في توجيه ذلك والذي عندي في الجواب أن هذه الكلمات الواقعة بعد إلا منصوبة ولكن كتبت بلا ألف وهذا ذكره الأئمة في أحاديث كثيرة‏.‏ قال النووي في شرح مسلم في حديث ابن عباس في الإسراء وأرى مالكا خازن النار وقع في أكثر الأصول مالك بالرفع وهذا قد ينكر ويقال هذا لحن لا يجوز في العربية ولكن عنه جواب حسن وهو أن لفظة مالك منصوبة ولكن أسقطت الألف في الكتابة وهذا يفعله المحدثون كثيرا فيكتبون سمعت أنسا بغير ألف ويقرؤونه بالنصب فكذلك مالك كتبوه بغير ألف ويقرؤونه بالنصب فهذا إن شاء الله من أحسن ما يقال فيه هذا كلام النووي‏.‏ وقال أيضا في باب الحج وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن - هكذا وقع في أكثر النسخ قرن بغير ألف بعد النون وهو مصروف لأنه اسم لجبل ويقرأ منونا وإنما حذفوا الألف منه كما جرت عادة بعض المحدثين يكتبون سمعت أنس بغير ألف ويقرأ بالتنوين وقال القرطبي في شرح مسلم في كتاب النكاح في قول عائشة كان صداقه لأزواجه ثنتي عشر أوقية ونش قوله ونش هو معرب منون غير أنه وقع هنا نش على لغة من يقف على المنون بالسكون بغير ألف‏.‏ وقال الشيخ ولي الدين العراقي في شرح سنن أبي داود قوله سمعت خلاس الهجري كذا في أصلنا بغير ألف فقد يتوهم أنه غير مصروف وليس كذلك إذ لا مانع له من الصرف وهذا اصطلاح لبعضهم أنه يستغني عن كتابة الألف بجعل فتحتين فوق آخر الكلمة لكن قد يغفل الكاتب تلك الفتحتين فيقع في الإبهام‏.‏ وقال أيضا في حديث عمرو بن ميمون قدم علينا معاذ بن جبل اليمن فسمعت تكبيره مع الفجر رجل أجش الصوت يجوز في قوله أجش الصوت النصب على الحال والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف‏.‏ وقد ضبطنا في أصلنا بالوجهين قوله أجش الصوت‏.‏ وأما قوله رجل فهو مكتوب في أصلنا بغير ألف فأما أن يكون مرفوعا أو منصوبا وكتبه بغير ألف وكثير من النساخ يفعل ذلك والله أعلم‏.‏

الأجوبة الزكية عن الألغاز السبكية

بسم الله الرحمن الرحيم

ورد على شيخنا الإمام العالم العلامة عبد الرحمن نجل الإمام كمال الدين أبي بكر السيوطي الشافعي عامله الله بلطفه ورحم سلفه الكريم في سادس شهر رمضان سنة ست وسبعين وثمانمائة أوراق مكتوب فيها ما صورته‏:‏ الحمد لله رب العالمين‏.‏ وبعد فقد وقف العبد كاتب هذه الأحرف فقير رحمة ربه ذي اللطف الخفي محمد بن علي بن سودون الحنفي على سؤال كتب قاضي القضاة شيخ الإسلام تاج الدين أبو نصر السبكي في ثاني عشر ذي القعدة الحرام سنة إحدى وستين وسبعمائة إلى الشيخ صلاح الدين خليل ابن أيبك الصفدي الشاعر المشهور‏:‏

للمشكلات إذا ما احتطن بالفكر * والمعضلات إذا اظلمن في النظر

وكدرت صافي الأكدار عندك يا * أبا الصفاء جلاء القلب والبصر

فما سؤالات من وفاك يسأل ما * حرف هو الاسم فعلا غير معتبر

وأي شكل به البرهان منتهض * ولا يعد من الأشكال والصور

وأي بيت على بحرين منتظم * بيت من الشعر لا بيت من الشعر

وأي ميت من الأموات ما طلعت * بموته روحه في ثابت الخبر

من عد من الأمراء المؤمنين ولم * يحكم على الناس من بدو ومن حضر

ولم يكن قرشيا حين عد ولا * يجوز أن يتولى إمرة البشر

من باتفاق جميع الخلق أفضل من * شيخ الصحاب أبي بكر ومن عمر

ومن علي ومن عثمان وهو فتى * من أمة المصطفى المبعوث من مضر

من أبصرت في دمشق عينه صنما * مصورا وهو منحوت من الحجر

إن جاع يأكل وإن يعطش تضلع من * ماء غير زلال ثم منهمر

من قال إن الزنا والشرب مصلحة * ولم يقل هو ذنب غير مغتفر

من قال أن نكاح الأم يقرب من * تقوى الإله مقالا غير مبتكر

من قال سفك دماء المسلمين على الـ * ـصلاة أوجبه الرحمن في الزبر

وما اللفيفة جاءت والسخينة في * غريب ما صح مما جاء في الأثر

وهات قل لي إبراهيم أربعة * بعض عن البعض من هم تحظ بالظفر

وهكذا خلف من الرواة كذا * محمد في المغازي جاء والسير

وعن فتاة لها زوجان ما برحا * تزوجت ثالثا حلا بلا نكر

وآخر راح يشري طعم زوجته * فعاد وهو على حال من الغير

قالت له أنت عبدي قد وهبتك من * زوج تزوجته فاخدمه واعتبر

وخمسة من زناة الناس خامسهم * ما ناله بالزنا شيء من الضرر

والقتل والرجم والجلد الأليم كذا ال * تغريب وزع في الباقين فاعتبر

أجب فأنت جزاك الله صالحة * من لم يرع عند أشكال ولم يحر

فكتب إليه أبياتا يمدحه فيها وذكر في أثنائها أنه يجيب عن ذلك نثرا ولم ير العبد له جوابا عن ذلك لا نظما ولا نثرا‏.‏ والمسؤول من صدقات سيدنا ومولانا أبقاه الله في خير ورحمة‏.‏

الجواب عن ذلك نظما ونثرا فكتب شيخنا ما صورته‏:‏

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى‏.‏ الجواب نثرا - أما الحرف الذي يكون أيضا اسما وفعلا فهو على فإنه يكون حرف جر واسما بمعنى فوق فيدخل عليه حرف الجر كقول الشاعر‏:‏ *غدت من عليه* وفعلا من العلو قال تعالى ‏(‏إن فرعون علا في الأرض‏)‏ هكذا ذكر جماعة من العلماء أن على استكملت أقسام الكلمة ولم يذكروا غيرها وقد استدركت عليهم قديما لفظتين أيضا‏.‏ الأولى من فإنها تكون حرف وفعل أمر من مان يمين واسما قال الزمخشري في الكشاف في قوله تعالى ‏(‏فأخرج به من الثمرات رزقا لكم‏)‏ إذا كانت من للتبعيض فهي في موضع المفعول به ورزقا مفعول من أجله ولكم مفعول به لرزقا لأنه حينئذ مصدر‏.‏ قال الطيبي وإذا قدرت من مفعولا كانت اسما كعن في قوله*من عن يميني مرة وأمامي* الثانية‏:‏ في فإنها تقع حرف جر واسما بمعنى الفم في حالة الجر كقوله صلى الله عليه وسلم حتى ما تجعل في إمرتك‏.‏ وفعل أمر من الوفاء بإشباع وقوله وأي شكل إلى آخره هذا أمر يتعلق بعلم المنطق وهو علم حرام خبيث لا أخوض فيه وقد سئل الشرف ابن المهدي بأسئلة نظم فيها‏:‏

وما عكس السوالب يا مرجى * أي الجزئي منها في النظام

فأجاب عن الأسئلة بيتا بيتا وقال في هذا البيت‏:‏

وعن عكس السوالب لا تسلني * فذاك مقدم العلم الحرام

قوله وأي بيت على بحرين منتظم هذا نوع معروف من أنواع البديع يسمى التشريع أول من اخترعه الحريري وهو أن يكون البيت مبنيا على بحرين وقافيتين يصح الوقوف على كل منهما كقوله‏:‏

يا طالب الدنيا الدنية إنها * شرك الردى وقرارة الأكدار

دار متى ما أضحكت في يومها * أبكت غدا بعدا لها من دار

فإنه يصح أن يقول‏:‏

يا طالب الدنيا إنها شرك الردى * دار متى ما أضحكت في يومها أبكت غدا

قوله وأي ميت إلى آخره الظاهر أنه أراد به ما في قوله تعالى ‏(‏وكنتم أمواتا فأحياكم‏)‏ أي نطفا في الأصلاب فأطلق عليها الموت مع عدم وجود روح فيها خرجت منها‏.‏ قوله من عد من الأمراء المؤمنين إلى آخره هو أسامة بن زيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم أمره على جيش فيه أبو بكر وعمر فلم ينفد حتى توفي صلى الله عليه وسلم فبعثه أبو بكر إلى الشام وكان الصحابة في ذلك السفر يدعونه أمير المؤمنين‏.‏ وروينا عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه كان إذا رأى أسامة بن زيد قال السلام عليك أيها الأمير فيقول أسامة غفر الله لك يا أمير المؤمنين تقول لي هذا فيقول لا أزال أدعوك ما عشت الأمير مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت علي أمير‏.‏ ولم يكن أسامة من قريش بل من الموالي‏.‏ قوله من باتفاق إلى آخره من فيه استفهام نفي أو إنكار وكذا من قال أن الزنا والبيتان بعده أي لم يقل ذلك أحد كذا رأيت صاحب النظم الشيخ تاج الدين السبكي فسره في بعض تعاليقه وجوز في قوله من قال أن الزنا من مبتدأ خبره غير مغتفر أي لا يغتفر له هذا القول بل يؤاخذ به‏.‏ قول من أبصرت إلى آخره أراد بهذا ما رواه الحاكم في تاريخ نيسابور بسنده إلى أبو عبد الله البوشنجي عن عبد الله بن يزيد الدمشقي عن عبد الرحمن بن زيد بن جابر قال رأيت ببغداد صنما من نحاس إذا عطش نزل فشرب قال البوشنجي ربما تكلمت العلماء على قدر فهم الحاضرين تأديبا وامتحانا فهذا الرجل ابن جابر أحد علماء الشام ومعنى كلامه أن الصنم لا يعطش ولو عطش نزل فشرب فنفي عنه النزول والعطش‏.‏ وقوله وما اللفيف إلى آخره قال ابن الأثير في النهاية قال معاوية للأحنف بن قيس وهو يمازحه ما الشيء الملفف في البجاد قال هو السخينة يا أمير المؤمنين قال ابن الأثير الملفف في البجاد وطب اللبن يلف فيه ليحمي ويدرك وكانت تميم تعير به والسخينة حساء يعمل من دقيق وسمن يؤكل في الجدب وكانت قريش تعير بها فلما مازحه معاوية بما يعاب به قومه مازحه الأحنف بمثله‏.‏ قوله وهات قل لي إلى آخره هذا نوع من أنواع علوم الحديث وهو من اتفق اسمه واسم شيخه فصاعدا والأربعة اللذين رووا بعضهم عن بعض وكل منهم يسمى إبراهيم كثير منهم إبراهيم بن شماس السمرقندي عن إبراهيم بن محمد الفزاري الكوفي عن إبراهيم بن أدهم الزاهد عن إبراهيم بن ميمون الصائغ، والأربعة الذين كل منهم اسمه خلف وقع ذلك في علوم الحديث للحاكم في إسناد واحد بل خمسة فقال ثنا خلف ثنا خلف ثنا خلف ثنا خلف ثنا خلف الأول الأمير خلف بن أحمد السجزي والثاني أبو صالح خلف بن محمد البخاري والثالث خلف بن سليمان النسفي والرابع خلف بن محمد الواسطي والخامس خلف بن موسى بن خلف‏.‏ وأما لمحمدون في إسناد واحد ففي صحيح البخاري من ذلك شيء كثير وقد وقع لي حديث كل رواته يسمى محمدا من شيخنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ قوله وعن قتادة إلى آخره رأيت بخط صاحب النظم الشيخ تاج الدين في تذكرته ما صورته‏:‏ امرأة لها زوجان ويجوز أن يتزوجها ثالث هذه امرأة لها عبد وأمة زوجت أحدهما بالآخر فصدق أنها امرأة لها زوجان وإذا جاء ثالث حر فله نكاحها‏.‏ قوله وآخر راح إلى آخره رأيت بخطه أيضا أن صورتها عبد زوجه مولاه بابنته ودخل بها ثم مات مولاه ووقعت الفرقة لأنها ملكت زوجها بالإرث وكانت حاملا فوضعت فانقضت العدة فتزوجت ووهبت ذلك العبد لزوجها‏.‏ وقوله وخمسة إلى آخره رأيت بخطه أيضا قيل أن محمد ابن الحسن سأل الشافعي عن خمسة زنوا بامرأة فوجب على واحد القتل وآخر الرجم والثالث الجلد والرابع نصفه ولم يجب على الخامس شيء فقال الشافعي الأول ذمي زنى بمسلمة فانتقض عهده فيقتل‏.‏ والثاني محصن والثالث بكر والرابع عبد والخامس مجنون انتهى‏.‏

الجواب‏:‏

ولم أقف على شيء من أجوبة هذه المسائل لغيري إلا هذه المواضع الثلاثة التي نقلتها عن الشيخ تاج الدين والموضع السابق في من وباقي المسائل مما أخذته بالفهم‏.‏ وقلت في الجواب نظما‏:‏

الحمد لله ربي بارئ البشر * ثم الصلاة على المختار من مضر

هذا جواب سؤلات الإمام أبي * نصر عليه همت هطالة الدرر

أما الذي هو حرف ثم جاء سمى * أيضا وفعلا مقالا غير ذي نكر

على أتت حرف جر ثم فعل علا * واسما كفوق وزد من غير مقتصر

ثم الذي هو شكل من علوم ردى * ولا يليق بأهل الشرع والأثر

والبيت ينظم من بحرين ناظمه * فذاك تشريعهم ما فيه من حصر

والميت من غير روح منه قد خرجت * ما كان في صلبه من نطفة البشر

ثم المسمى أمير المؤمنين ولم * يحكم على الناس من بدو ولا حضر

أسامة حين ولاه النبي على * سرية لقبوه ذاك في السفر

و ‏"‏من‏"‏ في الأربعة الأبيات نافية * أي لم يقل ذاك شخص أي معتبر

فصاحب النظم هذا القصد بين في * تعليق تذكرة يا طيب مدكر

وبعضهم قال في الأصنام إن عطشت * تنزل كلا ذاك لا يلقى لمختبر

ثم اللفيفة أكل والسخينة في * جدب بها عيب أهل البدو والحضر

ثم المسمون إبراهيم أربعة * عن بعضهم قدر ووافي صادق الخبر

السمرقندي عن الكوفي عن العجلي * عن ابن ميمون فاحفظه ولا تحر

وهكذا خلف خمس أتت نسقا * في مسند قد رواه الحاكم الأثري

ومن محمد يدعي عدة نسقا * في جملة من أسانيد من الأثر

ومرأة ملكت زوجين لا ريب * فإن أرادت نكاحا غير محتظر

والعبد زوجه مولاه بابنته * فمات تملكه بانت بلا ضرر

ألقت جنينا فوفت عدة نكحت * فملكته له ضرب من القدر

ثم الذين زنوا ذمي بمسلمة * فاقتل ومحصنهم فارجمه بالمدر

والبكر فاحدد وعبدا نصفه أبدا * ومن خلا من صفات العاقلين ذر

ثم الجواب ولا لبس يخالطه * فالحمد لله حمدا غير منحصر

وقاله عابد الرحمن نجل أبي * بكر السيوطي يرجو عفو مقتدر

ثم بعد اثني عشر سنة وذلك في ذي القعدة سنة ثمان وثمانين وقفت على كراسة بخط الإمام علم الدين العراقي قال فيها ما ملخصه‏:‏ قال مولانا القاضي الفاضل كريم الدين عبد الله الشافعي‏:‏ وبعد فإن بعض أكابر العلماء السادة المعروفين بزيادة التحقيق وكثرة الإفادة وضع سبعة عشر من المعاني المحكمة بالسؤالات المشكلة وجعلها نظما لتكون أعسر فهما تحار فيها عقول أولي الألباب ويعجزون عن أن يأتوا لها بجواب فلما وقفت عليها أردت أن أجرب ذهني الكليل فأحببت عنها غير مسألة تعذر تحقيقها لأشكال معناها وهي هذه‏.‏ الأولى‏:‏

من باتفاق جميع الخلق أفضل من * شيخ الصحاب أبي بكر ومن عمر

ومن علي ومن عثمان وهو فتى * من أمة المصطفى المختار من مضر

الجواب‏:‏

إن كان عني بالفتى عيسى بن مريم فلا يطلق اسم الفتى على الأنبياء وإنما يسمى بذلك الصبيان والعبيد والخدم والإماء وإن كان أراد إبراهيم ولد النبي صلى الله عليه وسلم فلا يطلق عليه فتى فقد نص الأزهري على أن الصبي لا يسمى فتى حتى يراهق وإن كان أراد الحسن فأبو بكر افضل منه فلو قال بدل فتى شخص صح على عيسى عليه السلام وعلى إبراهيم ولد النبي صلى الله عليه وسلم وعلى فاطمة رضي الله عنها لقول النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بضعة مني قال مالك رضي الله عنه لا أفضل على بضعة من النبي صلى الله عليه وسلم أحدا‏.‏

الثانية‏:‏ من كان والدها ابنا في البنين لها وذاك غير عجيب عند ذي نظر

الجواب‏:‏

تلك عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فإنها أم المؤمنين وابنة أبي بكر فهي أمه وابنته‏.‏ الثالثة‏:‏

من الفتاة لها زوجان ما برحا * تزوجت ثالثا حل بلا نكر

الجواب‏:‏

لها زوجان من بقر أو غنم أو غير ذلك قال تعالى ‏(‏احمل فيها من كل زوجين اثنين‏)‏ ‏(‏ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين‏)‏‏.‏ الرابعة‏:‏

من طلقت فتلقت أربعا عددا * عن الوجوب بدار أي مبتدر

الجواب‏:‏

هذه كانت حاملا فولدت أربعة من الأولاد فإن العدة لا تنقضي إلا بانفصال الأربعة هذا إن كان قوله عددا بفتح العين فإن كان بكسرها فهذه أمة دون البلوغ طلقت فاعتدت بالأشهر ثم حاضت في أثناء ذلك فانتقلت إلى الاقراء ثم عتقت فانتقلت إلى عدة الحرائر ثم مات الزوج فانتقلت إلى عدة الوفاة‏.‏ الخامسة‏:‏

من إن يزد جرمه تنقص مؤاخذة * ويفتدي بعض ما يجنيه كالهدر

الجواب‏:‏

إن كان جرمه بضم الجيم فهذا رجل ارتكب صغيرة ثم عزم على ارتكاب كبيرة ثم تركها خوفا من الله فكان تركه للكبيرة بعد العزم عليها مكفرا لتلك الصغيرة التي ارتكبها‏.‏ وإن كان جرمه بكسر الجيم فهو الميزاب الخارج عن الحائط والروشن إذا وقع نصفه على إنسان فقتله كان على المالك الدية كاملة وإن وقع بجملته كان عليه نصف الدية‏.‏ السادسة‏:‏

من إن تلا في صلاة آية فيبؤ * بالإثم والصمت منه ليس من حصر

الجواب‏:‏

تلا آية في الصلاة فغلط فيها أو لحن وكان معه من يصلي فرد عليه فأصر على غلطه الأول وهو يظن ما يقرؤوه صحيحا فأعاد ذاك الراد عليه فتوقف وسكت وبطلت الصلاة وكان سكوته لا عن حصر وهو عدم القدرة على الكلام وإنما سكت للعجز عن الحفظ والمعاندة وإن لا يرجع للغير فأبطل الصلاة فأثم لأجل ذلك‏.‏ قلت هذا جواب مخبط وكلام طويل‏.‏ والجواب عن هذه أنه فاقد الطهورين وهو جنب يصلي ولا يقرأ آية زيادة على الفاتحة‏.‏ وهذا الاستدراك من عندي لا من المجيب ولا العلم العراقي‏.‏ ثم قال السابعة‏:‏

من قال وسط جمادى الصوم مفترض * وقد يصل لنا العيدان في صفر

الجواب‏:‏

جمادى عند العرب الشتاء كله قال الشاعر‏:‏ في ليلة من جمادى ذات أندية، قال‏:‏ وقوله قد يصلى لنا العيدان في صفر الصلاة هنا معناها الدعاء والعيدان مثنى عيد وهو الوقت الذي يعود فيه الفرح أو ذكر الشوق والمحبة فالمعنى يدعى لنا بحصول عود الفرح وتجديد الشوق إلى الحبيب‏.‏ قلت ما أدرك هذا الجواب وقد اعترف صاحبه بأنه ما قدر على أكثر من ذلك‏.‏ والصواب الذي ظهر لي أن يصلى بمعنى الانحناء والتقويم والتليين من قولهم صليت العود على النار، والعيدان جمع عود وهو آلة اللهو المشهورة، والصفر صفير القصب‏.‏ وهذا الاستدراك من عندي أيضا‏.‏ ثم قال الثامنة ‏:‏

وآكل وسط شهر الصوم منفردا * عمدا نهارا ولم يفطر ولم يزر

الجواب‏:‏

النهار فرخ القطاة وولد الحبارى كما أن الليل ولد الكروان ‏.‏ التاسعة‏:‏

وآكل فيه ليلا لم يقل أحد * بصومه من سراة الرأي والأثر

تقدم جوابه أن الليل ولد الكروان‏.‏ العاشرة‏:‏

وواحد قد يصلي وهو منفرد * وقد يؤم ولا يأتم للقدر

الجواب هذا أعمى أصم لا يصح إقتداؤه بأحد لأنه لا يرى أفعال الإمام ولا يسمع المبلغ‏.‏ الحادية عشر‏:‏

وقائل لا قصاص في السيوف بلى * إن القصاص لفي شعر وفي ظفر

الجواب‏:‏

لا قصاص في السيوف هو في بعض الجروح كالجائفة وما دون الموضحة وقوله إن القصاص في شعر وشعر القصاص هنا من قص الشعر يقصه ومنه حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسجد على قصاص الشعر قال الأزهري هو بالفتح والكسر منتهى شعر الرأس حيث يؤخذ بالمقص‏.‏ الثانية عشرة‏:‏

ثلاثة فرج انثى منه ما خرجوا * وأوجد الروح فيهم خالق الصور

الجواب‏:‏

هم آدم وحواء وناقة صالح‏.‏ الثالثة عشرة‏:‏

وسارق هتك الحرز الحريز ولم * يقطع بلا شبهة والمال ذو خطر

الجواب‏:‏

هو الصبي والمجنون، والحربي، قلت هذا ظاهر لا يلغز به‏.‏ الرابعة عشرة‏:‏

وسارق ما حوى المسروق يعطه * وسارق ما حوى المسروق لم يضر

الجواب‏:‏

ما الأولى موصولة والثانية نافية قلت في كليهما نظر‏.‏ الخامسة عشرة‏:‏

وسار قبر بمن فيه إلى أمد * من الزمان فلا ينكر لذي خبر

الجواب‏:‏

هو يونس عليه السلام لما كان في بطن الحوت كالقبر له وهو سائر في البحر‏.‏

السادسة عشرة والسابعة عشرة‏:‏

وآخر راح يشري طعم زوجته * فعاد وهو على حال من الغير

قالت له أنت عبدي قد وهبتك من * زوج تزوجته فاخدمه واعتبر

وخمسة من زناة الناس خامسهم * ما ناله بالزنا شيء من الضرر

والرجم والقتل والضرب الأليم مع التـ * ـغريب وزع في الباقين فافتكر

والجواب عنها كالذي قدمته والله أعلم والحمد لله وحده‏.‏

الأسئلة المائة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله صلى ذو الجلال على * خلاصة الأنبيا كنز المساكين

من أثبت الله مولانا رسالته * قدما وآدم بين الماء والطين

محمد خير خلق الله قاطبة * والآل مع صحبه الشم العرانين

ويرحم الله مولانا وسيدنا * منشى العلوم بتحرير وتدوين

أبا حنيفة نعمان بن ثابت من * استنبط الفقه إيضاحا بتبيين

ومالكا وابن إدريس وأحمد من * هم نجوم الهدى للناس في الدين

الكاشفين بما قد حرروه لنا * عن الفؤاد حجاب الجهل والرين

ما ضاء برق وما ضاع الشذا وشدا * حاد وغرد طير بالأفانين

أئمة العلم لازلتم نجوم هدى * للعالمين بإظهار البراهين

ما حكم قول إله العرش خالقنا * سبحانه جل عن كيف وعن أين

في آية هي في الأحزاب تذكر * أن المسلمين إلى وعد العظيمين

غفران ذنبهم مع عظم أجرهم * يوم الجزاء لدى نشر الدواوين

هل ما أعد لمجموع الفضائل أم * لكل فرد أم الأفراد بالدون

ورؤية الله هل أنس تخص بها * أم مؤمنو الأنس والجن الفريقين

ومؤمنات الورى يشهدن رؤيته * كالمؤمنين الحنيفين التقيين

أم لا تراه أناث المؤمنين فما * جوابكم نلتم عزا بدارين

أم بعضهن يرى المولى كفاطمة * ومريم وحليلات النبيين

ما آية هي أرجى في القرآن وما * أشد خوفا به عند الموازين

متى اشترى الله نفس المؤمنين ومع * من كان هذا الشرا هل قبل تكوين

ولم يخص بأموال وأنفسهم * دون القلوب وفيها معدن الدين

أمشرقا فضلوا أم مغربا وسما * أم أرضنا ثم ما خير الأراضين

أين السماوات والجنات أفضل من * باق واية أرض انجم الدين

في الذكر بورك فيها للأنام بها * في سورة الأنبيا تتلى أفيدوني

ما السر في طمس نور النيرين غدا * وما السواد يرى في البدر بالعين

أين الذهاب لشمس بعد مغربها * هل تقطع الليل سيرا تحت أرضين

وهل إذا غربت ترقى فتسجد تحت * العرش أم لا وما مقدارها أفتوني

أي البلاد بها المهدي يظهر وال * مسيح ينزل بالرحمى أجيبوني

وأي شهر ويوم أيما جبل * وأي بحر لهم فضلا بتعيين

أي بأفضل ذو الفقر الصبور أم * الشكور ذو النعم الموسى المساكين

ما أول خلقه بدء وأول ما * باللوح سطر يا أهل البراهين

ما حكمة في دخول المؤمنين لنا * رثم في قسم المولى بطاسين

والميم تالية ما قدره ذرة من * يعمل بمثقالها خيرا أفيدوني

ما حد علم يقين ثم عين اليقين * ثم حق اليقين يا أولي الدين

هل أفضل الذكر سر أم علانية * وهل يجوز بأنواع التلاحين

بحيث تزداد بالتلحين أحرفه * وينتج الحرف بالإشباع حرفين

ما الأفضل اللبن المنساغ أم عسل * وماء زمزم أم ما كوثر أفتوني

والخوف أم ضده والليل سادتنا * أم النهار وما سر لذي الكون

في خلق آدم من طين ولم خلقت * حواء من ضلع يا أهل البراهين

ورفع عيسى ولم سمي المسيح وكم * يقيم إذا عاد من عام أجيبوني

كم قد أقام نبي الله يوسف في * سجن وفي بطن حوت قام ذو النون

هل جاز إنشاد مدح الهاشمي على * آلات لهو كموصول وقانون

وهل لإلياس والخضر الوفى واد * ريس الحياة إلى ذا الوقت والحين

والسيد الخضر المرضي هل ثبتت * له النبوة ساداتي أفيدوني

ووالدي خير خلق الله منقذنا * من الضلال الرسول ابن الذبيحين

في جنة إذ هما لم يعبدان سوى * ذي العرش من خلق الإنسان من طين

ماتا على ملة إبراهيم سيدنا * خليله أمره ذبح القرابين

عليه والمصطفى خير الأنام سلا * م الله ثم على كل النبيين

هل قائل غير هذا تعلمون وما * عليه إن قال في حق الحنيفين

ما شرطكم لوجوبات الوضوء وما * شرط لصحته جودوا بتبيين

ما قولكم في إمام ثوبه نجس * صلى ولم يدر إلا بعد يومين

أهل عليهم يعيدوا أم إمامهم * أم كلهم لم يعيدوها أجيبوني

وفي خطيب مطيل سجع خطبته * وعظا وحشوا بأنواع التفانين

وفيه إيذاء معذور وذي سقم * وصاحب الحاجة اللهف المساكين

أهل تلاوته القرآن أفضل أم * صلاة نفل وماذا يفت في ذين

ما قدر قيراط أجر في الصلاة على * ميت وحكمتها صفا وصفين

من عندهم لم تغب شمس النهار سوى * قدر الصلاة ويبدو الفجر في الحين

والصوم وافي فإن صلوا يفوتهم * من العشا ما به يقووا لفرضين

أيأكلون ويقضوا فرض مغربهم * وحكمهم في العشا ماذا أجيبوني

من في السفينة صلى وهي راسية * بالبر هل صح أو موحولة الطين

هل يفسد الصوم ما تبقيه مضمضة * من بلة بفم أم لا أفيدوني

ما حكم بيع على شرط البراءة من * كل العيوب بما قد بيع من عين

وطالب رد ذا عيب فاقبضه * عن أرشه خصمه نقدا من العين

هل طاب هذا له أم لا ويمنعه * ردا وما الحكم في ذا بين الاثنين

ومشتري أمة في الفور أنكحها * زوجا وطلقها من قبل تمكين

هل ذاك مسقط استبراءها ولمو * لاها الوقاع والاستمتاع في الحين

وهل يصح لنا يا سادتي سلم * على الفلوس إذا راجت بنقدين

أم حكمها في رواج والكسادسوا * وبيعها أجلا هل حكم هذين

ومن أقر بألفي درهم ونأى * عن البيان فماذا يقض بالدين

من ذا يزوج من بعضا لها عتقوا * محرر البعض أم غير أفيدوني

ما حكم عقد نكاح الغائبين إذا * لم يذكر اسم أب والجد الاثنين

وزوجة أنكرت بعد الدخول بها * قبض المعجل من مهر بتلوين

هل قولها أم مقال الزوج معتبر * جودوا وقيتم بتوضيح وتبيين

وذي الاماهل له وطء لواحدة * وهن يسمعن أو ينظرن بالعين

وهل له وطء إحدى الزوجتين ورا * ستاره ولهم تصغي بأذنين

وهل يجوز له وطء بحضرة من * قد أذهب الله منها نور عينين

بحيث لا تدرك العمياء ما فعلا * وما جرى بين الاثنين الحبيبين

وقائل كلما عادت إليّ سعاد * بانت ودعها بنار الهجر تكويني

وقائل إن تبن مني فقبل تكن * من عصمتي بائنا أولى وثنتين

وبعد ما أصدر التعليق طلقها * ما الحكم فيه وسر فيه مكنون

ومن يطلق أكراها وفي سكر * ما حكمه ثم ماذا حكم مديون

عليه عشر مثاقيل ثلاث مئ * كل من العشرة المضروبة العين

قرضا ونودي على المثقال خمس مئ * كذا على العكس ما حكم في الاثنين

وقائل لفتاة كان يألفها * من فاتكات اللحاظ الخرد العين

لئن وطئتك في ملكي فأنت إذن * عتيقة فأبيعت بيع تمكين

وبعد عادت له ملكا وواقعها * أحكمها عتقها أم لا أجيبوني

ومرأة عتقت من ملكت ولدا * لها صغيرا بذاك الوقت والحين

والحال لا قائل شرعي معتبر * له فما صح من هذين الأمرين

من أكرهوه على عتق أينفذ ذا * أم لا وإكراهه ما حده أفتوني

أو أكرهوه على خمر أيشربها * أم لا ويقضي اصطبارا غير مفتون

هل من مجوز قتل للكلاب لا فـ * ـساد الطريق بتنجيس الخبيثين

هل فاسق مدع بضرب مندله * جمعا لجن لملموس ومجنون

وهل من السحر تأليب وتفرقة * وكتب حرز وحجب للمجانين

ما ليس بالعربي معناه يفهم هل * تحل رقيا به أم لا أجيبوني

ما الحكم في ذاكر الأشهاد ممتنع * عن الأدا طالبا أجرا أفيدوني

وشاهد قال لم أشهد بذا أبدا * وبعده ذاكر الأشهاد في حين

أمنه تقبل أم تلغى شهادته * فيه بذلك يا أهل البراهين

وحاكم منكر حكما به شهدا * عليه يقبل أم قول الشهيدين

أهل لذي الجهل تصحيح الولاية أم * شرط القضا علمه الأحكام في الدين

ماذا تقولون في علم له نقلوا * عن الإمام أبي الفضل بن سيرين

أعني بذا العلم تعبير المنام واخبار * المعبر عن غيب ومكنون

يقول قد دلت الرؤيا بأن سيكن * كذا من الأمر في علمي وتيقيني

هل آثم بالذي ينبي المعبر أم * لا إثم فيه أجيبوني بتبيين

ما حكمة الله في عود النبي رسو * ل الله عيسى إلى الأرض أجيبوني

ماذا جوابكم فيمن يمد على * همز الجلالة في تكبيره أفتوني

ومن يمد على لام الجلالة أو * هاء الجلالة يا أهل البراهين

هل بين هذي السما والأرض سادتنا * بحر من الما يقينا أو بمظنون

وهل به في فلك تجري كواكبه * به كشمس وبدر ثم باقين

أم سير بدر كما قالوا باولة * كذا برابعة شمس أفيدوني

نلتم ثوابا من المولى ومغفرة * على الدوام وأجرا غير ممنون

ثم الصلاة على أعلى الورى شرفا * محمد المصطفى خير النبيين

والآل والصحب ماهب الصبا وصبا * صب لذكر أحاديث المحبين